الثلاثاء، 6 يناير 2015


النّبي أيلا (ع) و بعلبك

و مقام قديم حارس البقاع اللبناني

 

بقلم: حسين أحمد سليم


إشتُهر وادي البقاع اللبناني بتاريخه العريق كونه كان مهد الحضارات القديمة التي أتى التّاريخ على ذكرها حيث سادت زمنًا ثمّ بادت بحكم تعاقب الأزمان و الأدوار و الأطوار و الأحقاب و الأكوار...

هذا السّهل الممتدّ على طول مساحة لبنان من أقصى الشّمال حيث يتواصل مع الأراضي السّوريّة إلى أقصى الجنوب حيث يتحادد مع الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة, و محدودًا بسلسلتيّ جبال لبنان الشّرقيّة الفاصلة بينه و بين سوريا من الشّرق و سلسلة جبال لبنان الغربيّة التي تفصله عن شاطيء البحر الأبيض المتوسّط من الغرب و المُسمّى بالبقاع اللبناني...

ما يُميّز هذا السّهل, البقاع اللبناني, عن غيره من نواح كثيرة سيّما النّاحية الرّوحيّة و الدّينيّة أنّه كان منذ البدء ساحة واسعة و مشهود له في حركة فعل تبليغ رسالات السّماء للمكلّفين بها و كان مسرحًا لمعاناة عدد من الرّسل و الأنبياء و من بينهم النّبي أيّوب و النّبي نوح و النّبي إلياس و غيرهم...

و ما يدلّ على وجود هؤلاء الأنبياء و الأولياء و عباد الله الصّالحين و إنتشارهم أو إقامتهم أو مرورهم في هذا السّهل المبارك, وفرة الآثار المختلفة العصور و الأزمنة و كثرة الأضرحة المقدّسة و المقامات للعديد من الأنبياء و المزارات المختلفة للكثير من الأولياء و الصّالحين و عباد الله المختارين... تلك المعالم التي قلّ أن تخلو منها قرية أو بلدة أو مدينة أو قمّة جبل أو تربة في سهل...

الإستدلال على ذلك كثافة المقامات و المزارات لأنبياء و أولياء ورد ذكر بعضهم في القرآن الكريم و الكتب السّماويّة و البعض الآخر ذُكر في الأحاديث و الرّوايات و الأخبار و المنقولات...

بوصلتنا الجغرافيّة الممغنطة الرّأس بالإيمان إختارت وجهة سياحتنا لهذا الأسبوع بلدة بقاعيّة تحمل إسم النّبي الذي باركها و أعطاها إسمه الشّريف, عنيت به النّبي أيلا (ع) الذي يتربّع صرح مقامه المميّز بأعلى تلّة غربي البقاع الأوسط إلى الغرب من بلدة أبلح البقاعيّة و الجنوب من بلدة نيحا و إلى الجنوب من بلدة الفرزل المحازية لكرك نوح, ليرتفع معظّمًا وسط بلدة سُمّيت بإسمه و يشرف من مكانه العالي على مساحات واسعة من سهل البقاع الأوسط و بساتين الأشجار المثمرة المحيطة به و البيوت المنتشرة حوله حبّا و تكريمًا و تبريكا و إطمئنانا في بلدته النّبي أيلا و محيطها...

بلدة النّبي أيلا هي إحدى القرى اللبنانيّة من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

تبعد بلدة النّبي أيلا 56 كلم (34.7984 ميل) عن بيروت عاصمة لبنان. ترتفع 1050 م (3445.05 قدم - 1148.28 يارد) عن سطح البحر و تمتدّ على مساحة 415 هكتاراً (4.15 كلم²- 1.6019 مي²).

يُطلق عليه البقاعيّون إسم «قاضي الحوائج». هو «نبيّ الله إلياس» أو نبيّ الله أيلا، الذي لا يرد محتاجاً أو طالب صلح أو شفاء من مرض، أو ملهوفاً على غائب...

المكان هذا يرتبط بلجوء النّبي أيلا إلى السّلسلة الغربيّة في العام 850 قبل المسيح، هرباً من الملكة عتاليا زوجة بعل بك التي سُميت بإسمه مدينة بعلبك الحالية، و حين حاصر جيش عتاليا النّبي أيلا، طلب إلى الله أن يرفعه إلى السّماء، فإذا بشهب من نور ينتصب من الأرض إلى السّماء و عربة من نور عليها نبيّ الله أيلا. و عندما إرتفع إلى مسافة معيّنة رمى عباءته، فإلتقطها خليفته نبيّ الله ليشع، و كان مكان صعوده عند أعالي بلدة النّبي أيلا التي سُمّيت تيمّنا بإسمه...

النّبي أيلا هو إلياس بن فنحاص بن أليعيزار بن هارون بن عمران التّشبّي و في العبريّة يقولون إيليّا و معناه " إله يهوى " و بالإغريقيّة إيلياس و بالعربية " إلياس". و هو من بلدة تشته, و هي مدينة طوبيا في سبط نفتالي جنوب القدس و شمال صفد, سكن في مدينة "جلعاد" و تعني الصّلت.

تصدّى للملك السّامري أخاب بن عمري المتزوّج من إيزابيل الصّيدونيّة بنت إينو بعل الفينيقي, بسبب إدخال عبادة البعل إلى مملكة أخاب تحدّى كهنة البعل أمام أخاب و قتل منهم 450 رجلاً...

ذكره الله تعالى بقوله: "و زكريّا و يحيى و عيسى و إلياس كلّ من الصّالحين" كم جاء في سورة الأنعام 85.

و قال تعالى: "و إن إلياس لمن المرسلين, إذ قال لقومه ألا تتقون, أتدعون بعلاً و تذرون أحسن الخالقين, الله ربّكم و رب آبائكم الأوّلين, فكذّبوه فإنّهم لمحضرون, إلاّ عباد الله المخلصين و تركنا عليه في الآخرين" كما جاء في سورة الصّافات 123-129.

غضبت عليه إيزابيل زوجة أخاب فذهب إلى بئر السّبع في فلسطين ثمّ إلى حبوريت, ثمّ إلى الأردن, ثمّ إلى الصّرفند و قام فيها بمعجزة فشفى إبن الأرملة أليسع بن أخطوب وهو خليفته...

و قد أورد المفسّرون أنّ أخاب كان يسكن مدينة بعلبك من بلاد الشّام...

و روي أنّ الرّحّالة النّابلسي زاره, و صلّى في المقام و منه إنتقل إلى مقام النّبي نوح (ع) في بلدة كرك نوح قرب زحلة...

تتراءى للمشاهد الزّائر أنّ موقع بلدة النّبي أيلا (ع) و كأنّه من روائع و جماليات هضبات و تلال البقع الجغرافيّة غربي البقاع الأوسط, و حيث تتربّع البلدة على تلّة تتماهى بمسحات من مشهديات الجمال التي صاغها الخالق في أرحبة البقاع, و حيث يقع مقام النّبي أيلا (ع) لتمتدّ أمام النّاظر مشهديات و لوحات تشكيليّة أبدعتها و خطّتها يد المبدع العظيم كأنّه قُدّت من السّحر  وسط أشجار مختلف ألوانها ليرتفع صرح مقام النّبي أيلا (ع) الشّريف شامخًا, تعلوه القبّة الخضراء الزّاهية و المئذنة المرتفعة تشقّ الفضاء و جدرانه الحجريّة الحمراء و أبوابه الأبانوسيّة الضّخمة و تلك البلّورات الزّاهية بأبهى الألوان المزجّجة النّوافذ بها و أرضه المرصوفة ببلاطات من المرمر الأسود و الغرانيت الأحمر...

و شاعت شهرة و صيت مقام النّبي أيلا (ع) منذ حقب تاريخيّة سالفة و على إمتدادات عصور قديمة, بحيث تناقلت مرويات الذّكرة الشّعبيّة و الحكايات المتناقلة و الموروثة كراماته عبر الكبار المعمّرين و المسنّين و الأجيال... و لكثرة ما حدث في حضرة ضريحه الرّمزيّ الإفتراضيّ من كرامات لافتة تُبجّله و تُعزّه, فتعلّق أهالي المنطقة و الجوار به و إزدادوا إيمانًا أكثر بتكليفه السّماويّ كنبيّ هادٍ أرسل لأهل بعلبك في زمن ملك بني إسرائيل آحاب غير المؤمن و زوجته عابدة البعل و الأصنام, فغدا أيلا النّبي (ع) شفيعهم الرّوحيّ و فعل وسيلتهم في عمليّة ممارسة الطّقوس الإيمانيّة و التّقرّب إلى الله...

عبر تعاقب الأيّام و السّنين بنى الأهالي بيوتهم حول المقام و هوت أفئدتهم إليه و تشاغفت عقولهم له, إلى أن اصبحت البيوت و المساكن الحجريّة و التّرابيّة قرية كبيرة تمّ تسميتها فيما بعد بإسم ساكنها الأصلي نبيّ الله أيلا (ع) و تطوّرت البيوت في بلدة النّبي أيلا (ع) مع التّطوّر الحضاري المعماري بحيث كثرت في البلدة القصور و الأبنية العصريّة الطّراز... و قد بُني فوق ضريح النّبي أيلا (ع) الشّريف مقام هو غاية في الجمال الدّاخلي و الخارجي و الهندسة التّصميميّة المعماريّة و الإنشائيّة للصّرح و المئذنة و الرّواق و المدخل و الملحقات، و قد تفنّن مهندسوه و العاملون عليه في عمليّة إتّقانه كي يليق بمكانة صاحبه الذي يتوافد إليه الزّوّار على مختلف عقائدهم و مللهم و من كافّة القرى البقاعيّة و اللبنانيّة فضلا عن الإسلاميّة للزّيارة و التّبرّك و إيفاء النّذور و إقامة الطّقوس و الشّعائر و الصّلوات و الأدعية و التّهجّدات الليليّة إضافة لإحياء المناسبات و إلقاء المحاضرات... و قلّما يمرّ يوم دون أن تجد زوّارا يقدّمون الأضاحي و الذّبائح تقرّبا إلى الله و إيفاء لنذور توسّط في قضائها النّبي أيلا (ع)...

فقد كان شكل المقام قبل العهد العثماني صورة مصغّرة و طبق الأصل عن كنيسة (آيا صوفيا) في إسطنبول إلى أن أصيب بتصدّع كبير في بنائه فقرّر العثمانيّون على أثره هدمه بدل ترميمه لأنّه لم يكن هناك مؤسّسة ترعى الأوقاف...
في السّنوات الأخيرة من القرن الماضي و ضع المهندس بهيج منصور مع أخيه سمير مخطّطاً لإعادة تصميمه و نفّذاه حتّى أصبح كما هو عليه الآن...
تقام في مقام النّبي أيلا (ع) صلاة الجماعة بشكل يوميّ دون إنقطاع, و الدّخول إلى رحاب هذا المقام يُشعر المرء برهبة و خشوع من هيبة صاحب المقام في النّفوس...  و هذا النّبي يُعتبر لدى أهالي المنطقة من مسلمين و مسيحيّين قاضيًا عدلاً يفصل في نزاعاتهم و يوصل الحقّ إلى صاحبه و القسم و الحلف و الإيمان في حضرته خطر على المفتري و الكاذب لأنّه سريع العقاب و المحاسبة... لذلك عندما يُطلب التّقاضي عند مقامه, يعترف المقترف بحقوق النّاس... و الحكايات و المرويات والقضايا كثيرة يرويها النّاس في المنطقة بالأسماء و الوقائع...

و هذه سيرة النّبي أيلا كما وردت في الكتاب المقدّس...

عاش النّبي أيلا في النّصف الأوّل من القرن التّاسع قبل ميلاد السّيّد المسيح, تميّز بغيرته على الله ذلك أّنه عندما كان أحاب ملكا على إسرائيل صنع الشّرّ و تزوّج من إيزابل بنت أتبعل ملك الصّيدونيّين و رئيس كهنة البعل. فأمالت قلب أحاب الملك و قلب الشّعب عن عبادة الله فعبدوا البعل و هدموا مذبح الرّبّ و بنى معبدا للبعل في داره. و هنا ظهر النّبي أيلا أو إيليّا ليوبّخ الملك و يطلب منه عبادة الرّبّ إله الجنود, حتّى أنّه تحدّى البعل, و هو إله الخصب و المطر فمنع المطر عن الأرض ثلاث سنين و ستّة أشهر. بعدها ذهب بأمر من الله إلى نهر كريت حيث قال له الله أنّ الغراب سيعوّلك و ستشرب من ماء النّهر. مع العلم أنّ الغراب مصدر شؤم و هو الطّائر الوحيد الذي لا يطعم صغاره حتّى و رغم ذلك كان يحضّر للنّبي إيليّا الخبز صباحا و مساء. و عندما يبس النّهر أمره الله أن يذهب إلى مدينة تدعى صرفة صيدا و تدعى حاليًا (صرفند) حيث هيّأ له الرّبّ الله إمرأه لتعيله. و في مدخل المدينة وجد بالفعل أرملة تجمع عيدان الحطب فطلب منها أن يشرب و عندما ذهبت لتحضر له الماء سألها أن تحضر له كعكة ليأكل فأجابته قائله: ليس عندي غير القليل من الطّحين في الجرّة و قارورة بها قليل من الزّيت سوف أصنع كعكة لي و لأبني و بعدها نموت جوعا. فقال لها النّبي إيليّا: إدخلي و إصنعي كعكة صغيرة لي ثمّ إصنعي الطّعام لك و لأهل بيتك لأنّ الله قال أنّ جرّة الدّقيق لا تفرغ و قارورة الزّيت لا تنقص إلى يوم يرسل الرّبّ مطرًا على و جه الأرض. فصنعت كما قال لها. و كان للأرملة صبيّ فمرض مرضًا عضالا و مات فدخلت على النّبيّ لتقول له: مالي و لك يا رجل الله أجئت تذكّرني بذنوبي و تقتل إبني؟ فأخذ النّبي أيلا ابنها منها و ذهب به الى عليته و دعا الرب ثلاث مرات قائلا : ايها الرب الهي لتعد روح الولد إلى جوفه. فسمع الرّبّ لصلاة النّبي أيلا و هو إلياس فأخذ الولد و سلّمه إلى أمّه قائلا: أنظري إلى إبنك إنّه حيّ. فقالت المرأه: الآن علمت أنّك رجل الله و أنّ كلام الرّبّ في فمك حقّ. و تحنّن الله على شعبه فطلب من إيليّا أن يعود إلى أحاب و عندما تقابلا قال له أحاب: أأنت إيليّا معكّر صفو البلاد؟ فأجابه إيليّا: لم أعكّر أنا صفو البلاد بل أنت و أهل بيتك بترككم وصايا الرّبّ و السّير وراء البعل. ثمّ صعد النّبي إلياس الى جبل الكرمل و صلّى إلى الرّبّ سبع مرّات فطلعت سحابة صغيرة قدر كفّ راحة رجل من البحر و ملأت السّماء و هطل مطر عظيم. و كانت يد الرّبّ مع إيليّا. و لكي يثبّت النّبي إلياس للشّعب و الملك أنّ الله وحده هو الأله الحقيقي, جمع كهنة البعل ال 450 و كهنة عشتاروت ال 400 و بحضور جمهور غفير من الشّعب راهنهم: هم يقرّبون محرقة لألهتهم و هو يقرّب مثلها لألهه. و الأله الذي ينزل نار من السّماء على المحرقة يكون الأله الحقيقي خالق هذا الكون...

بقي كهنة البعل يدعون بإسم إالههم من الصّبح حتّى الظّهر لكن لا مجيب. أخذ النّبي إلياس يسخر منهم و من إلههم و يقول: أصرخوا بصوت أعلى لعلّه في شغل أو في خلوة أو في سفر أو نائم. ثمّ جاء دوره فقام و رمّم مذبح الرّبّ و وضع عليه إثنا عشر حجرا نسبة إلى أسباط إسرائيل الإثني عشر. و رتّب الحطب و وضع المحرقة و طلب من الشّعب إحضار أربع جرّات من الماء و صبّها على المحرقه و رفع يديه إلى السّماء و صلّى بحرارة قائلا: أيّها الرّبّ ليعلم هذا الشّعب أنّك أنت الأله الحقيقي وحدك و أنّي أنا عبدك و بأسمك فعلت هذه الأمور...

فهبطت نار الرّبّ و أكلت المحرقة و الحطب و الحجارة. فلمّا رأى الشّعب هذه المعجزة سقطوا على وجوههم معترفين بأنّ الرّبّ هو الله. عندئذ قال النّبي إلياس للشّعب: إقبضوا على أنبياء بعل و لا يفلت أحد منهم. و مع ذلك ظلّ كهنة البعل على موقفهم الخاطىء. علمت إيزابل بما فعله النّبي إلياس بكهنتها فأقسمت بألهتها قائلة: في مثل هذه السّاعة سأجعل نفس إيليّا كنفس واحد منهم. فقام إيليّا و توجّه جنوبا إلى بئر سبع الواقعة في صحراء النّقب. و هناك ظهر الملاك ليلا و قال له: قم فكل لأن الطّريق بعيدة أمامك. فقام و أكل و سار إلى أن وصل إلى جبل حوريب حيث كان الله عزّ و جلّ قد كلّم موسى و أعطاه الوصايا العشر. و جرت قصّته مع النّبي موسى (ع) و التي وردت في القرآن في سورة الكهف و كان يدعى العبد الصّالح علّمه الله علم الباطن أيّ التّأويل. و بعدها رأى النّبي إلياس الله بقدر ما يستطيع الأنسان أن يراه و قال له: إمضِ و أرجع في طريقك إلى بريّة دمشق. حيث يقول التّقليد المتوارث أنّه لجأ إلى مغارة طبيعيّة و قد رافقه في مسيرته صديقه أليشع بن يوشافاط حيث سكنوا في هذا المكان فترة مجهولة المدة. إلى أن علمت إيزابيل بمكانه فأرسلت جيوشها لمطاردته...

و من هناك هرب النّبي إلياس بطريقة عجائبيّة عبر جبّ رأسي إرتفاعه 15 متر و للأسفل 35 متر. و نشبت حرب بين أحاب و الأراميّين و أصيب أحاب بسهم و هو في مركبته فسال دمه في المركبه فلحست الكلاب دمه كما تنبّأ له النّبي إيليّا. و كانت إيزابيل على شرفه قصرها فصعد إليها الجنود و طرحوها أرضا و داستها الخيل و أكلت الكلاب لحمها و هذا أيضا ما تنبّأ لها به النّبي إيليّا. و ذات يوم إصطحب النّبي إلياس خادمه الأمين أليشع و توجّه إلى نهر الأردن و أخذ رداءه و ضرب الماء فإنفلقت إلى هنا و هناك و سارا على اليابسة. و فيما كانا سائرين و هما يتحدّثان إذ مركبة ناريّة تجرّها خيول ناريّة قد فصلت بينهما و إرتفع إيليّا نحو السّماء و أليشع ينظر أليه. ثمّ لم يعد يراه فرفع أليشع رداء النّبي إلياس الذي سقط منه فحلّت عليه روح الرّبّ و أصبح خليفة النّبي إلياس في النّبؤة...

عيد  النّبي إلياس أو إليّا أو أيلا في 20 تمّوز: صلاة للقدّيس مار إلياس: السّلام عليك يا مار إلياس الحيّ. يا نبيّ الله و صاحب الأيمان القويّ و الغيرة الألهيّة و السّيرة الملائكيّة. قد دحضت الزّور و وبّخت صانعي الشّرور و قرنت القوّة المتّقدة بالحبّ المضطّرم. ففتكت بكهنة البعل. و أهطلت الأمطار بعد إنحباسها بصلاتك فنسألك متضرّعين. أن تجعلنا مستظلّين و بسنائك مستنيرين و إذ نلتمس منك المعونة و الشّفاعة. نلتجيء إليك قائلين: نجّنا من الشّدائد و المصائب و الشّرور و من أفخاخ الأعداء المنظورين و غير المنظورين. ردّ عنّا الضّربات و أبعد الأمراض و الأوبئة و القحط و الغلاء و إدفع عنّا وثبات الخيالات الرّديئة و الأفراح الشّريرة. و كن لنا حافظا منجيّا و مساعد في كلّ ساعة من حياتنا و كما قبلت تنهدّات الأرملة و رددت لها إبنها الوحيد من بعد الموت و أحييته. إقبل تضرّعاتنا نحن الملتجئين إليك الآن. و سدّد خطواتنا في سبيل البرّ. لكي نحيا حياة نقيّة مرضيّة لدى الله. و نستحقّ أن نمجّد الله معك و مع سائر القدّيسين في السّماء العليا إلى الأبد...

توفّي الملك آخاب و خلفه إبنه الأكبر أخزيا. و في نهاية السّنة الثّانية من حكمه أصيب بمرض أقعده، فأرسل رسلاً إلى معبد بعل في مدينة عقرون الفلسطينيّة لتستخير نبوءته بخصوص مرضه. فقال الرّبّ لإيليا: قم إصعد إلى رسل ملك السّامرة الذّاهبين إلى عقرون و قل لهم: ألا يوجد في إسرائيل إله لتذهبوا إليه حتّى ذهبتم تسألون بعل عقرون؟ إنّ السّرير الذي صعد عليه أخزيا لا ينزل عنه لأنّه موتاً يموت. و عندما عاد الرّسل بعد أن لقاهم إيليّا و تحدّث معهم و هم لا يعرفوه، سألهم الملك: ما هيئة الرّجل الذي كلّمكم بهذا الكلام؟ فقالوا: إنّه رجل أشعر مُتَمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. فقال: هو إيليّا النّبيّ. فأرسل إليه رئيس خمسين مع جنود ليأتي به إليه، و إذا هو جالس على رأس جبل. فقال له: يا رجل الله الملك يقول: انزل. فأجابه إيليا: إذا كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نار من السّماء و تأكلك أنت و الذين معك. فنزلت نار من السّماء و أكلته هو و الذين معه. ثمّ عاد الملك فأرسل رئيس خمسين آخر، فحصل لهم الّشيء نفسه. و عندما أرسل إليه الملك رئيس خمسين ثالثاً، صعد إليه و جثا على ركبتيه و تضرّع إليه ألاّ يفعل به كما فعل مع الآخرين. فقال الرّبّ لإيليّا: أنزل معه و لا تخف. فقام و نزل معه و دخل على أخزيا و قال له: من أجل أنّك أرسلت رسلاً لتسأل بعل زبوب إله عقرون، فالسّرير الذي صعدت عليه لا تنزل منه بل موتاً تموت. فمات أخزيا حسب كلام الرّبّ و ملك يهورام أخوه عوضاً عنه كم جاء في سفر الملوك الثاني : 1.

في نهاية حياته التّبشيريّة، قال إيليّا لتلميذه أليشع الذي كان يرافقه: أمكث هنا لأنّ الرّبّ أرسلني إلى نهر الأردن. فقال أليشع: حيّ هو الرّبّ و حيّة هي نفسك، إنّي لا أتركك أبداً. فانطلقا معاً، و عندما وصلا ضفّة النّهر أخذ إيليّا رداءه و لفّه و ضرب به الماء فإنفلق إلى هنا وهناك و عبرا على اليبس. و لمّا عبرا قال إيليّا لأليشع: ماذا أفعل لك قبل أو أؤخذ منك؟ فقال أليشع: ليكن نصيب إثنين من روحك عليّ. فقال: إن رأيتني أؤخذ منك يكون لك كذلك. و فيما هما يسيران و يتكلمان إذا مركبة من نار و خيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السّماء. و كان أليشع يرى و هو يصرخ: يا أبي، يا أبي، و لم يره بعد ذلك. كما جاء في سفر (الملوك الثاني: 2).

إلى هذا فقد حافظت ذاكرة التّقوى الشّعبيّة على شفيعها الزّراعيّ القديم، و الشّخصيّة الماورائيّة الأقرب إلى همومها المعاشيّة. و مع التّحوّل الديموغرافي في بلاد الشّام, حملت الشّرائح الفلاّحيّة معها شفيعها الزّراعيّ وألبسته لبوساً إسلامياً تحت إسم الخَضِر (ع)، على وزن نَضِر، و يعني الأخضر و سيّد الخضرة الزّراعيّة. و قد جرت المطابقة بين هذه الشّخصيّة و شخصيّة العبد الصّالح الذي رافق موسى في رحلته إلى مجمع البحرين، و فاقه علماً و معرفة كما ورد في سورة الكهف: 60-82 رغم أنّ القرآن الكريم لم يذكر إسم ذلك العبد الصّالح.

و لكيّ يمنح الخيال الشّعبيّ لهذا الوليّ الإسلاميّ نعمة الخلود التي تمتّع بها النّبي إلياس، فقد دبّج المؤلّفون الإسلاميّون قصّة مفادها أنّ الخضر قد رافق الملك الجبّار “ذو القرنين” في رحلته للبحث عن نبع الحياة الذي يهب الخلود لمن يشرب منه. و قد جعل ذو القرنين الخضر (ع) على رأس جنوده، و سار حتّى وصل مغرب الشّمس فسأل عن النّبع فقيل له إنّه وراء أرض الظّلمة، فإختار من عسكرة ستّة آلاف و دخل أرض الظّلمة. و بعد مسيرة يوم و ليلة أصاب الخضر (ع) نبع الحياة فشرب منه، و أخطأه ذو القرنين.

و من خلال مجريات الأحداث و الإستقراء لها و تحليلها تظهر في القصص الشّعبيّ الإسلاميّ، الخصائص الإخصابيّة للخضر (ع). فهو الذي يكلّل الأشجار بالخضرة، و ينشر عباءته الخضراء بساط عشب على السّهول و التّلال، و خلال ظهوراته يُشاهد جالساً على طنفسة خضراء. و الفلاّحون في بلادنا كانوا حتّى وقت قريب يستنزلون المطر بالدّعاء إلى الخضر (ع) ويدعونه بالإسم التّبادليّ مار إلياس، عندما ينشدون: “يا سيدي خضر الأخضر إسقي زرعنا الأخضر، يا سيدي مار إلياس إسقي الزّرع اليباس.” و كان يهود فلسطين قبل الإحتلال الصّهيونيّ يدعون إيليّا بإسم الخضر. و في تركيّا العثمانيّة كان الإسم الشّائع للخضر هو خظرلياس، الذي يجمع بين إسم الخضر (ع) و إسم إلياس.

خلال عصر الحروب الصّليبية و الّتبادل الثّقافيّ الذي حصل بين الثّقافة العربيّة و الثّقافة الأوربيّة، ظهرت إلى الوجود شخصيّة بعليّة جديدة تجمع الخضر و مار إلياس إلى نموذج فرنسيّ هو القدّيس جاورجيوس، أو مار جرجس كما يدعى في بلاد الشام. و قد نُسجت لهذا القدّيس سيرة حياة تقول بأنّه كان بطلاً من أبطال الإيمان المسيحيّ، عاش في مدينة اللدّ بفلسطين خلال القرن الثّالث الميلاديّ، و أنّه أنقذ إبنة الملك التي إعتنقت المسيحيّة من تنّين هائل صرعه بحربته. و بهذه الطّريقة تمّ إبتعاث الأسطورة السّوريّة القديمة عن صراع بعل مع التّنّين لوتان و قتله، و تمّ الجمع أيضاً بين القدّيسين الزّراعيّين الثّلاثة، و راح المزارعون السّوريّون يقصدون المقامات المكرّسة لهذه الشّخصيات الثّلاثة على أنّها شخصيّة واحدة. و الإسم جاورجيوس في اليونانية يعني الفلاّح. و هو يدعى في الأقطار الأوربيّة بجورج الأخضر، و ذلك كناية عن علاقته بالزّراعة. و الفلاحون الأوربّيون يحتفلون بعيده في 23 نيسان بإعتباره إحتفالاً بقدوم الربّيع.

و بعد ظهور شخصيّة القدّيس المحارب مار جرجس، عادت شخصيّة الخضر (ع) لتكتسب منه خصائصه القتاليّة مثلما إكتسب منها ومن إلياس الخصائص الزّراعيّة. و الفولكور الّشعبيّ طافح بروايات عن قوّة الخضر (ع) الخارقة. فالمزارعون في بعض أنحاء سورية يدعونه بأبي حربة، و المرويات عن قوّة ذراعه تزخر بالإشارة إلى صخور ضخمة رماها من مسافات شائعة. إحدى هذه الصّخور و هي أسطوانيّة الشّكل منزرعة على الّشاطئ قرب مدينة طرطوس، تقوم النّسوة العاقرات بزيارتها و التّضرّع إلى الوليّ من أجل الإنجاب. و في بيت جالا قرب القدس، هنالك صخرة عليها ما يشبه أثر القدم يقال أنّ الخضر (ع) قفز من فوقها، و يزورها النّاس هناك لطلب الشفاء...

الاثنين، 5 يناير 2015


قصص الخضر (ع)

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

يُعتبر الخضر (ع) شخصيّة مقدّسة لدى جميع الدّيانات السّماويّة الثّلاث, الموسويّة و العيسويّة و المحمّديّة... و يعتبر المسيحيّون أنّ القدّيس مار جرجس هو نفسه الخضر (ع) رغم فارق الزّمن بين وجود الخضر (ع) في عصر النّبي موسى (ع) و رواية ولادته في ما بعد النّبي عيسى المسيح (ع)... و يعتقد البعض أنّ النّبي إلياس (ع) الذي أرسله الله لبعلبك في زمن عبادة البعل وتسلّط آحاب و ززجته هو الخضر (ع) فيما يعتقد البعض الآخر أنّ الخضر (ع) هو النّبي أيلا (ع) الذي صعد السّماء من على التّلّة التي عليها اليوم مقامه في البلدة التي حملت إسمه...

فالقدّيس جرجس أو مار جرجس (280-303 م) و يسمّى أيضاً جاورجيوس أو جريس أو جورج (بالإنجليزية Saint George) و جرجة في العربيّة الفصحى... هو قدّيس حسب معظم الكنائس الشّرقيّة و الغربيّة و هو واحد من الأربعة عشر مساعد حسب الطّائفة الكاثوليكيّة... يحتفل به يوم 23 نيسان من كل عام. و معنى إسمه الزّارع أو الفلاّح...

 

قصص الخضر (ع)

الخضر (ع) الذي تحوّل لدى المسيحيّين إلى القدّيس مار جريس, هو نفسه الإله «تموز» البابلي إبن عشتار الذي يُعدّ، في المعتقدات القياميّة القديمة، تجسيداً لروح النّبات... و هو إله زراعي تماماً... وحتّى اليوم ما زال الكاهن الرّوسي يخرج في عيد مار جاورجيوس مع جمهور من النّاس إلى الحقول ليباركها...

و قصّة القدّيس مار جريس في دلالاتها الأسطوريّة تُمثّل المسيحيّة، بإعتبارها عقيدة فداء وخلاص ورثت هذه المعتقدات كلّها، ومعها الطّقوس الجميلة، و إستوعبت ديانات الأسرار القديمة التي سبقت نشوء المسيحيّة, ويبدو ذلك بوضوحفي الأيقونات التي تزيّن البيوت والكنائس, حيث يظهر القدّيس مارجريس وهو يقاتل التّنّين ذا الرّؤوس السّبعة، و إلى جانب المشهد إمرأة جميلة هيفي الأصل، الإلهة «عناة» الأوغاريتيّة، لكنّها صارت ترمز إلى النّساء اللواتي تخلّصن من مذلّة الموت بغايا أو قرابين بشريّة... وهي في الأيقونة، رمز للكنيسة التي قاتل في سبيلها القدّيس جاورجيوس...

الخضر (ع) و القدّيس مار جريس, جمعتهما الذّاكرة الشّعبيّة و المورثات القديمة في قصّة أسطوريّة متنافرة...
فالخضر الذي ورد ذكره في القرآن الكريم, عاش بحسب الرّواية الإسلاميّة، في زمن النّبي موسى (ع)، أيّ قبل المسيح (ع). بينما وُلد مار جريس بعد المسيح بثلاثة قرون تقريباً... من هنا فلا علاقة، إذاً، بين الشّخصّيّتين... لكنّ الخيال الشّعبي، الدّيني تحديداً، دمج القصّتين في حكاية واحدة... وقصّة الخضر تندرج في نطاق الأدب العجائبي، فهو يدعى «إيليا بن ملكان»، وسُمّي الخضر (ع)، لأنّه حيّ كشجرة دائمة الخضرة لا تعرف اليباس... وقيل لأنّه إذا جلس على أرض جافّة أو يابسة إخضرّت وأزهرت...

والخضر (ع) في الرّوايات الإسلاميّة لا يقتل التّنّين، وإنّما يقوم بإجتراح المعجزات و المخاريق بأمر الله تعالى... و من غير المعروف على وجه الدّقّة متى دُمجت حكاية الخضر (ع) (غير الواردة في القرآن) بحكاية القدّيس مار جريس...

وعلى الرّغم من أنّ  الحكايتين تفترقان كثيراً، وإنّ الخضر (ع), على رأي البعض من الرّواة, ما زال حيّاً إلى اليوم، إلاّ أنّ النّاس تعتقد غير ذلك... ففي فلسطين قرية تدعى «الخضر» تقع جنوبي القدس، وفيها كنيسة بإسم القدّيس جاورجيوس، ويعتقد أهلها أنّ الخضر مات ودفن في هذه البلدة... ويعتقد النّاس في درعا أنّ الخضر مدفون بالقرب من مدينتهم، وله فيها مقام يُزار...

و هناك قصص وروايات أخرى تعود للعصور الوسطى والتي أساسها أساطير إغريقيّة ويونانيّة قديمة. حيث أضحت هذه القصّة مرافقة للقدّيس وترمز له في لوحات أيقونيّة وتماثيل...

الجمعة، 2 يناير 2015


قالوا في العبد الصّالح الخضر (ع)

 

دراسة و بحث: حسين أحمد سليم

 

إنّ الأساس في قصّة النّبي موسى (ع) و الخضر (ع) هو ما ذُكر في القرآن الكريم، و مقياسنا القويم في واقعيّة القصّة هو أن نضع القرآن كمعيار أمامنا، و حتّى بالنّسبة للأحاديث فإنّنا نقبلها في حال كونها مطابقة للقرآن، فإذا كان هناك حديث لا يطابق فسنرفضه حتمًا...

و قصّة النّبي موسى (ع) و الخضر (ع) و التي وردت في سورة الكهف في القرآن الكريم, أدخل عليها الرّواة أساطير كثيرة و حاكوا حول القصّة و حول رمزيها (موسى و الخضر) حتّى أنّ بعض الإضافات أعطت للقصّة طابعًا خرافيًا.

و ينبغي أن نعرف أنّ مصير كثير من القصص لم يختلف عن مصير هذه القصّة، إذ لم تنج قصّه من الوضع و التّحريف و التّقوّل و الزّيادة.

فقد قالوا: مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ: بحر فارس و بحر الروم. و قيل: هو إفريقية.

و قيل: أنّ المقصود بمجمع البحرين هو محلّ إتصال خليج العقبة مع خليج السّويس إذ المعروف أنّ البحر الأحمر يتفرّع شمالاً إلى فرعين فرع نحو الشّمال الشّرقي حيث يشكّل خليج العقبة، و الثّاني نحو الشّمال الغربي و يسمّى خليج السّويس، و هذان الخليجان يرتبطان جنوبًا و يتّصلان بالبحر الأحمر.

و قيل: بحران موسى (ع) و الخضر (ع) فإنّ موسى كان بحر العلم الظّاهر و الخضر بحر العلم الباطن...

قالوا: كان الخضر (ع) في أيّام أفريدون و كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر و بقي إلى أيّام النّبي موسى (ع).

و قالوا: أنّ الخضر (ع) كان فى زمن الإسكندر بن فيلقوس اليوناني الملقّب بذي القرنين الأكبر، و كان الإسكندر هذا على عهد النّبي إبراهيم (ع) .

و قالوا: كان الخضر (ع) على مقدّمة جيش الإسكندر الأكبر بمنزلة المشاور الذى هو من الملك بمنزلة الوزير، و هذا هو الإسكندر الأوّ ل المذكور فى التّنزيل.


قالوا: إنّ أوّ ل ظهور الخضر (ع) كان في زمن النّبي موسى (ع).

و قيل: إنّ موسى (ع) سأل ربّه أيّ عبادك أعلم قال الذي يبغي علم النّاس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّ على هدى أو تردّه عن ردى قال إن كان في عبادك أعلم منّي فأدللني عليه. قال أعلم منك الخضر. قال أين أطلبه؟ قال على السّاحل عند الصّخرة. قال كيف لي به؟ قال تأخذ حوتا في مكتلك فحيث فقدته فهناك.

قيل: توضّأ يوشع من عين الحياة فإنتضح الماء عليه فعاش و وثب في الماء فإتّخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا فلمّا جاوزا مجمع البحرين قال لفتاه أئتنا ما نتغذّى به.

يقال إنّ الخضر (ع) كان من الأنبياء فزيادة نبيّ على نبيّ في طرف من العلم و ذلك النّبي الآخر يزيد عليه فيما لا يتناهى من العلوم و الكمال لا قدح فيه.

و قالوا:  إنّ الخضر (ع) كان نبيّا مرسلا بعثه الله تعالى إلى قومه فدعاهم إلى توحيده و الإقرار بأنبيائه و رسله و كتبه.

قالوا: كانت آية الخضر (ع) أنّه كان لا يجلس على خشبة يابسة و لا أرض بيضاء إلاّ أزهرت خضرا و إنّما سمّي الخضر لذلك.

و قالوا: كان إسم الخضر (ع) تاليا بن ملكان بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح (ع).

و قالوا: إسم العبد الصّالح هو خضرون بن عمياييل بن الفيز و هو من نسل إسحاق بن إبراهيم الخليل (ع).

و قالوا: الخضر (ع) هو إبن مالك و هو أخو النّبي إلياس (ع).

و قالوا: البعض إحتمل أنّ هذا الرجل العالم هو النّبي إلياس (ع) و من هنا ظهرت فكره أنّ إلياس و الخضر هما إسمان لشخصٍ واحد.

و قيل: إختلف النّسّابة في إسم أبّ الخضر (ع) فقيل: ملكان و قيل كلبان، و قيل: عابيل، و قيل: قابيل.

قيل: إنّ النّبي موسى (ع) مع كمال عقله و محلّه من الله تعالى لم يستدرك بإستدلاله و إستنباطه معنى أفعال الخضر (ع) حتّى إشتبه عليه وجه الأمر فيه و سخطه جميع ما كان يشاهده حتّى أخبر بتأويله و لو لم يخبر بتأويله لما أدركه و لو بقي في الفكر عمره.

قالوا: إنّ أفاعيل الخضر (ع) هي حكمة و صواب و إن جهل النّاس وجه الحكمة و الصّواب فيها.

قالوا: إنّ موسى بن عمران (ع) حين أراد أن يفارق الخضر (ع) قال له أوصني فكان ممّا أوصاه أن قال له: إيّاك و اللجاجة أو أن تمشي في غير حاجة أو أن تضحك من غير تعجّب و أذكر خطيئتك و إيّاك و خطايا النّاس.

قالوا: الخضر (ع) و إلياس (ع) يجتمعان في كلّ موسم و يفترقان عن هذا الدّعاء و هو: "بسم الله ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله ما شاء الله كلّ نعمة فمن الله ما شاء الله الخير كلّه بيد الله عزّ و جلّ لا يصرف السّوء إلا الله ".

قالوا: إنّ الخضر (ع) كان إبن ملك من الملوك و كان أبوه إسمه ملكان و كان ملكا عظيما في الزّمان الأوّل و لهذا الملك سيرة حسنة في أهل مملكته و لم يكن لديه ولد غير الخضر (ع) فسلّمه إلى المؤدّب ليعلّمه و يؤدّبه فكان الخضر (ع) يأتي إليه كلّ يوم فيجد في الطّريق رجلا عابدا ناسكا فيعجبه حاله فكان الخضر (ع) يجلس عند ذلك العابد و يتعلّم منه حتّى شبّ على شمائل العبد و عباداته فنشأ الخضر (ع) منقطعا لعبادة الله عزّ و جلّ في غرفة خاصّة به في قصر أبيه ملكان.

قالوا: الخضر (ع) دخل في الظّلمة الأولى، و وجد فيها ماء الحياة و أخرج به علما سويّا يستوي فيه الغيب و الشّهادة. و ذو القرنين دخل في الظّلمة الثّانية، و أخرج بنور سواه الله تعالى فيه حتّى إستوى فيه الليل و النّهار .

قالوا: إنّ مقام الخضر (ع) هو مقام ختم الأولياء و هذا المقام الخاصّ بمن يشترك بالأخذ منه شريعتين و أمّا مرتبته في الدّولة الرّوحيّة هي الوتديّة .

قالوا: نال الخضر وراثة شرف مقام أهل البيت، حاله في ذلك حال سلمان الفارسي.

قالوا: إلتقى الخضر (ع) بعمر بن الخطّاب و أنس بن مالك و إبراهيم بن أدهم و أحمد بن أبي الحواري و عمر بن عبد العزيز و الجنيد البغدادي و إبن عربي و أحمد الرّفاعي و الخواصّ و عثمان الصّرفندي و عبد الله بن مبارك و غيرهم كثير.

قالوا: علوم الخضر (ع) هي علوم لدنيّة و هي العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات و التي هي نتيجة للخلود و الذّكر و تفريغ المحلّ من الفكر.

قالو: إطّلع الخضر (ع) على بواطن الأمور و حقائقها.

قالوا: كان الخضر (ع) عبداً لا تراه الأعين و من أراد أن يريه الله أيّاه. فلم يره من القوم إلا موسى في صحبته.

قالوا: أنّ الخضر (ع) شرب من ماء الحياة فهو حيّ لا يموت حتّى ينفخ في الصّور.

قالوا: الخضر (ع) من نوع البشر، وذهب بعضهم إلى أنّه ملك من الملائكة يتصوّر فى صورة الآدميين إذا شاء.

و قالوا: لا يدري أحد هل الخضر (ع) هو ملك أو نبيّ أو عبد صالح.

و قالوا: وردت روايات عديدة تدلّ على إنّ هذا الرّجل أيّ العبد الصّالح الخضر (ع) لم يكن نبيًّا بل كان عالمًا مثل(ذو القرنين) و (آصف بن برخيا).
قالوا: أنّ العبد الصّالح الخضر (ع) هذا الرّجل العالم كان يحيط بأبواب من العلوم التي تخصّ أسرار و بواطن الأحداث، في حين أنّ موسى (ع) لم يكن مأمورًا بمعرفة البواطن، و بالتّالي لم يكن يعرف عنها الكثير، و في مثل هذه الموارد يحدث كثيرا أن يكون ظاهر الحوادث يختلف عن باطنها، فقد يكون الظّاهر قبيحًا أو غير هادف في حين أنّ الباطن مفيد و مقدّس و هادف لأقصى غاية. و في مثل هذه الحالة يفقد الشّخص الذي ينظر إلى الظّاهر صبره و تماسكه فيقوم بالإعتراض و حتّى بالتّشاجر. و لكنّ الأستاذ العالم و الخبير بالأسرار بقي ينظر إلى بواطن الأعمال، و إستمرّ بعمله ببرود، و لم يعر أيّ أهمّيّة إلى إعتراضات النّبي موسى (ع) و صيحاته، بل كان في إنتظار الفرصة المناسبة ليكشف عن حقيقة الأمر، إلاّ أنّ التّلميذ كان مستمرًا في الإلحاح، و لكّنه ندم حين توضّحت و إنكشفت له الأسرار.

و قالوا الكثير الكثير ممّا نقله لنا التّاريخ على ألسنة الرّواة و الإخباريين و المفسّرين و غيرهم... ممّا يتطلّب الدّرس و التّحليل و التّمحيص لوضع الأمور في نصابها و الحقائق على ما هي عليه دون تشويه أو زيادة أو نقصان و هذا هو من مسؤوليّة و تكليف كلّ عارف و واع...



الخميس، 1 يناير 2015


رأس أسطا

بلدة جبليّة جبيليّة لبنانيّة للخضر (ع) في رحابها مقام مزار على شاكلة مُصلّى

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

رأْس أُسْطا البلدة الجبليّة الجبيليّة اللبنانيّة, المسْتلقية بطمأنينة و إرتياح بين المُنحدَرات و الهضاب و الصّخور و أشجار السّنديان و الصّنوبر... مستلقية في أحضان طبيعة لها ميزتها، إسْتلقاء ذلك الرّاعي المُتْعَب ينفخ في شبّابته بين أغنامه الوادعة... بلدة رأس أسطا تلك القرية المُطِلَّة ببساطة بيوتها و منازلها، و قناعة و إيمان سكّانها و قاطنيها، تشرف على مدينة جُبيْل التّاريخيّة الأثريّة السّاحليّة، كما رفيقاتها من القرى و البلدات الجبليّة المنتشرة كالعرائس الخضراء على صدْر لبنان و أطْرافه، فمع إستحْواذها على مناخ صيفي شتائي معْتدل و إمتيازها بعذوبة مياهها و فتْنة أوديتها و صفاء سمائها و غضاضة أشجارها، بدَتْ كأنّها عروس العرائس على ذلك المرتفَع الخلاّب، و كأن حوريّة من حوريات البحر أمام تلك الشّواطى الجبيليّة السّاحرة، أو كمليكة من عالم آخر أو كجنّيّة حسْناء، أرْسلتْها للأرض ربَّةُ السُّحُبِ و الفصول، لتسْتَنْبت الأشْجار المثْمرة و الأشجار الحرجيّة و البرّيّة و المعمّرة و ترسل المواسِم الوافرة، و تتفرَّجَ بخُيلاء علَى مسارح البَحْر الّذي لا ينام، و تتبرّجَ بزينتها و عُطورها أمام أُفْقه السَّاجد بغيْر إنْقطاع أمام وجْه الأبديّة. لينعم الزّائر لها و يهنأ بين تلالِها الحالمة وكُرومها السَّخيَّة، و على مَرْأى من نَسائِمها العذْراء و عواصِفها الزَّاعِقة، يقضي السّائح أفضل الأوقات, بحيص على جَنباتِها النَّاضِرة يُقلّب نَظراتُه، لتُزهر أحاسيسه و مشاعره و عواطفُه، و هو يتهادى مُكحّلاً نظرات عينيه و هو يتجوّل بيْن أزقَّتها الضيِّقة، و دروبها المُتَعرِّجة، و بيوتها الحجريّة, و قاطنيها الحاتميين الكرماء...

لبلدة رأس أسطا الجبيليّة الجبليّة إتّجهت عقارب بوصلتنا صباح هذا اليوم الأحد مع بداية العام الجديد 2015 للميلاد حيث تو جهت و قرينتي الأديبة الكاتبة و الفنّانة الحاجّة وضحة سعيد شعيب لزيارة المنطقة و أداء بعض الصّلوات و الطّقوس الدّينيّة و الرّوحيّة في رحاب مقام الخضر عليه السّلام في تلّة من تلال بلدة رأس أسطا الغضّة بأشجار السّنديان...

رأس أسطا

بلدة رأس أسطا منطقة جبيليّة قريبة من مدينة جبيل الأثرية (بيبلوس) إلى الشّرق منها و ترتفع بمعدّل حوالي 900 متر عن سطح البحر.

مناخ رأس أسطا معتدل صيفاً و شتاءً.

يمكن الوصول إليها عبر سلوك إحدى الطريقين:

الأوّل: جبيل, أوتوستراد مار شربل, وصولاً إلى رأس أسطا.

و الثّاني عن طريق نهر إبراهيم, يحشوش, مشّان, طورزيّا, كفربعال و صولاً إلى رأس أسطا.
تقع بلدة رأس أسطا و ملحقاتها إداريّا ضمن محافظة جبل لبنان في قضاء جبيل على متوسط إرتفاع 900 م. عن سطح البحر.

تبعد راس أسطا 55 كلم (34.177 ميل) عن بيروت عاصمة لبنان. ترتفع 900م (2952.9 قدم - 984.24 يارد) عن سطح البحر و تمتد على مساحة 429 هكتاراً (4.29 كلم²- 1.65594 مي²).

تعتبر بلدة رأس أسطا في موقعها المميّز من المصايف الجميلة في قضاء جبيل.

تشتهر بلدة رأس أسطا بمشاريعها السّكنية و حركة العمران الملحوظة فيها و كثرة المطاعم و المقاهي و المنتزهات و الشاليهات التي تتوزّع على إمتدادات رقعة  أراضيها.

الإسم و الآثار
إعتبر د. أنيس فريحة أنه، إذا كان الجزء الثاني من الإسم يبدأ بالهمزة، كما هو مبيّن في الكتابة، و كما يُلفظ محليًا، يكون أصل الإسم سريانيًا:
ĨSTA أي الجدار.. أمّا إذا كان "قسطا" فيُستبدل الجدار بالعدل و المساواة QUASHTA أو بالقش أو القوس QISHTA. لكن التّفسير الأقرب إلى اعتماده منطقيًا هو راس الحيط.

كِلش: قرية مندثرة تتبع أراضيها اليوم لراس أسطا. أمّا إسمها فسرياني أصل لفظه:
KILSHA و معناه الكلس.

زمّار: مزرعة صغيرة بين وادي مهرين و وادي الدّرجة. تبعد حوالي كيلومترين إلى الشمال من راس أسطا. أرضها بعلية.
في الإسم نجد جذر زمّر السّاميّ الذي يفيد عن التّزمير و الغناء. زمّار
ZAMMÂRA تعني المزمّر و المغنّي. و يميل الإعتقاد إلى نسب هذه الدّسكرة إلى أسرة الزمّار التي سكنتها قديمًا متفرّعة إليها من العاقورة.

زَردِة: مزرعة صغيرة تقع بين جبل الغراب و جبل الحويص على بعد كيلومترين إلى الغرب من راس أسطا، بين وادي الدّرجة و وادي مهرين، جعل فريحة إسمها سريانيًا
ZARDÉ أيّ الزّرد و الدّروع. إلاّ أنّ كثيرًا من الأمكنة في لبنان تُسمى بالزّردة متى كانت عميقة ضيّقة يصعب المرور فيها.

حمّار الزغير: قد حوّر أبناء المنطقة الإسم إلى حمار زغير. أمّا أصل المقطع الأوّل من الإسم (حمّار) فيُطلق على الأرض الحمراء. حمّار زغير أيّ الأرض الصّغيرة الحمراء.
في مختلف هذه المناطق بقايا أثريّة كالنّواويس و الأجران و القطع الخزفية ما يفيد عن أنّها قد عرفت نشاطًا ربما في مجال التّحطيب و التّعدين للشّعوب القديمة.

تشتهر بلدة رأس أسطا بزراعة البندورة و الخيار و الدّرّاق و المشمش و يوجد فيها القليل من أشجار الزّيتون و شجر الجوز، و يقوم أهالي القرية بتأمين الموأن من الخضار الموسميّة التي تُنتج بفصول متنوعة وذلك عن طريق حفظها في البيوت البلاستيكية في غير مواسمها الطّبيعيّة. أمّا المعالم الأثريّة التي تبرز في القرية فهي بقايا الكنائس و بيوت قديمة جداً بالإضافة إلى المطاعم التي باتت معلماً أثرياً لرواده.

عائلات بلدة أسطا من المسلمين الشّيعة من آل حيدر أحمد.

تتبارك أرض بلدة رأس أسطا بو جود كنيسة مار إلياس العجائبيّة و كنيسة مار جرجس للنّصارى الموارنة بالإضافة لمسجدين و في رحاب البلدة بين أشجار السّنديان يتربّع مقام الخضر عليه السّلام على ربوة و يتألّف من غرفة لا تزيد عن 30 متر مربّع ليس فيها معالم ضريح رمزي و رواق و حجارة البناء من الحجر الأبيض تعلو سطحه قبّة خضراء و تحيط بالبناء باحة و فسحات و حجر دائري كبير على شاكلة مذبح إلى الخلف و حجر دائري كبير على يسار الدّرج الرّئيسي لغرفة المقام.

نبذة تاريخية عن مقام الخضر في رأس أسطا
روي أنّ الخضر عليه السّلام خو إبن آدم من صلبه, وقيل هو بلياء بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح (ع), فمولده قبل مولد نبي الله ابراهيم الخليل (ع), لأنّ الخضر (ع) ابن عمّ جدّ النبي إبراهيم وإنّما سمّي الخضر لأنّه جلس على بقعة من الأرض بيضاء لا نبات فيها فإذا هي تهتزّ و تتقلّب تحته خضراء نضرة وكان يكنّى بأبي العبّاس.
و قصّته مع نبيّ الله موسى (ع) معروفة و قد وردت في القرآن الكريم في سورة الكهف.
و ثمّة قصص وردت في أبحاث كثيرة منشورة تتحدّث عن سبب طول عمره, و مفادها أنّ آدم عليه السّلام بعد أن أخبر عن الطوفان القادم أوصى بأن يدفن من جديد و أن من يدفنه سوف يطول عمره...

و قصّة أخرى تتحدّث عن سبب آخر يتعلّق بشرب ماء من عين الحياة, و مهما يكن السّبب فالخضر عليه السلام حيّ يرزق على ذمّة بعض الرّويات و المنقولات و المصادر و الأحاديث, له مقامات و مزارات عديدة في مختلف الرّبوع و البلدات و القرى و المدن و الدّساكراللبنانية.


و في بلدة رأس اسطا الجبيليّة في أعالي بلاد جبيل له مقام مهمّ يزوره النّاس و يعتقدون بمرور الخضر عليه السلام و اقامته في ذلك المكان و يتحدّثون عن كرامات حصلت في هذا المكان...

هذا و للخضر عليه السّلام مقامات في بلاد الشام في فلسطين و في سوريا و في الأردن و في العراق وفي قمّ المقدّسة (ايران).

كرامات
يهتمّ النّاس بزيارته و يعتقدون بحضوره و له كرامات يرويها بعض سكّان بلدة رأس أسطا و الجوار و يمارسون الصّلوات و الأدعيّة في رحاب المقام و يقدّمون للخضر عليه السّلام و النّذورات...